مــــركز دعـــــــــم المـــــرأة
للإستفســــــار عــــــن خـــــــــدمات المـــــــركز يمكنكــــــــــم الإتصــــــــال عــــــلى الخـــــــط المجــــــاني
80008006
المرأة بين كونها معياراً «للتحضر» أو صانعة له!


الأستاذة هالة الأنصاري الأمين العام للمجلس الأعلى للمرأة.jpg

اطلعت بكثير من الاهتمام والإعجاب على ما تناولته الكاتبة القديرة أمل عبد العزيز الهزاني في مقالها المعنون «المرأة كمعيار للتحضر» في عدد جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ الرابع من أغسطس (آب) الحالي، وخصوصاً ما تطرق المقال إليه من جوانب مضيئة لمشاركة المرأة السعودية ضمن عمليات التحوّل نحو رؤية المملكة المستقبلية، والتي نعتز في مملكة البحرين بإنجازاتها، ونفرح بما تشهده من اهتمام رفيع المستوى يعيد تموضع المكوّن النسائي في المجتمع السعودي، سواء على صعيد إدارة الشأن العام أو في نطاق استقرارها الأسري والاجتماعي، وما يستدعيه مثل هذا الأمر من إصلاحات شجاعة على أكثر من صعيد، وما يصاحب تلك القرارات من قناعة سياسية بقدرات المرأة السعودية التي لا تقل علماً، ولا ثقافة، ولا وعياً، ولا عطاءً عن أي امرأة في محيطها العربي أو حتى الدولي.

ولقد استوقفتني في طرح السيدة أمل، مسألة في غاية الأهمية، وظلت تساؤلاتها تطرق أبواباً كثيرة في عقلي ونفسي كامرأة... فهل واقع تقدمنا - بصفتنا نساءً - لا يزيد على كونه معياراً لتحضر مجتمعاتنا؟ أم أن تفعيل نصف المجتمع كي تقوم المرأة بدورها الوطني كاملاً، وتتمكن من امتلاك خيارات حياتها والتمتع بحقوقها المدنية له أيضاً من القوة ما سيجعل المرأة توجد - مؤثرة ومتأثرة - في قلب «الفعل الحضاري» لأوطانها، ويكون لها نصيبها في تشكيل وعي مجتمعها فيكون أمر احترامها والاعتماد عليها من المسلّمات، على قاعدة... الأصل وليس الاستثناء؟

وبعودة سريعة لمكانة المرأة في بعض الحضارات الشرقية القديمة، كحضارة وادي النيل وبلاد ما بين النهرين، توضح بعض الدراسات الصادرة حول مكانة المرأة في الأزمنة المبكرة لتلك الحضارات الإنسانية، تمتع المرأة بحظوة خاصة، وخصوصاً مكانتها «كأم»، بل نصت قوانينها وشرائعها على حقوق عديدة لها، كحق الموافقة على الزوج في إطار عقدي، وحق طلب الطلاق لأسباب وإثباتات تمكّنها من الخلع، وحق الميراث. وقد جاءت تلك القوانين في سياق اجتماعي كان ينظر للمرأة كأيقونة أي «ربة»، وهو ما يقربنا إلى مفهومنا الحالي «لربة المنزل».

وبهذه المكانة المتقدمة للمرأة، في تلك الحضارات تحديداً، وكدلالة على وعي المجتمع في حينه، وصلت المرأة لمناصب عليا في الحضارة الفرعونية والبابلية، واكتسبت كذلك حق العمل بأجور متساوية مع الرجل في المهنة نفسها، نعم بأجور متساوية، بينما لا يزال الغرب «المتحضر» في وقتنا الحاضر تعاني فيه نساؤه من فجوات الأجور!

إذن، فالحضارات بإنتاجها المعرفي تعوّل لتشكيل وعيها الإنساني على إدراك الفرد ونضج مؤسسات المجتمع المختلفة لإدارة عملية النهضة بشكل منظم يتم من خلاله إصلاح الفكر والسلوك والواقع. وتكون المرأة - بوصفها إنساناً - جزءاً لا يتجزأ من تلك العمليات المتواصلة، تتلقى وتستقبل، لتتفاعل وتتعامل، بنضج وحكمة، مع واقعها الذي يجب أن يبتعد عن دوامة الأمزجة والأهواء المتشككة والمتأرجحة والمؤجِلة لقرار يحدد، متى يكون للمرأة حظ أوفر في الحياة، فتضيع في تلك الدهاليز حقوق وتُربَك مكانة رفيعة... حسمتها وأقرتها شريعتنا الإسلامية الغراء كاستقلال ذمتها المالية وولايتها على نفسها وإسهامها في شؤون أمتها، كما تؤكده القصص والشواهد على مرّ تاريخنا الإسلامي. وهو ما أدى، لسوء الحظ، إلى تعطّل «القراءة الفقهية المتجددة» لتلك الحقوق بما لا يخالف حدود الله في إعمار الأرض وحفظ كرامة الإنسان، لنتجاوز تفسيرات تحجّم عقل المرأة وتحرمها من بعض جوانب أهليتها، فتجد نفسها تتصارع بين حقوق كاملة تمنحها دساتيرها من جهة... لتُحجب عنها من جهة أخرى تحت رايات وذرائع وموانع مختلفة، تجعلها في شك دائم بين ما هو مسموح أو ممنوع، وبتداخل واضح في أحيان كثيرة بين العُرف والشرع.

وهذا يعيدنا إلى ما بدأنا به، مع ضرورة حسمه في سياق ما تشهده المرأة من تغييرات وتحولات متسارعة على مدى عقدين ماضيين في المنطقة العربية، بين تقدم يتأسس على قاعدة عدالة المشاركة والتوازن والتكامل في علاقاتها بمن يحيطها، ومن له حق عليها أو لها حق عليه، وبين تراجع يفرضه واقع سياسي مرير، لا تزال تعاني منه بعض الدول، أصبح يؤثر سلباً على واقع المرأة، ولكن من دون أن يجردها من وضوح صوتها ووجاهة مطالبها، بعد مرور ما لا يقل عن نصف قرن على تعليمها أو خروجها للعمل، وهو ما تؤكده العديد من الأرقام الإحصائية التي توضح بشكل يثير الانبهار والاندهاش، أن المرأة في زمن (كوفيد - 19) لها نصيب الأسد ضمن الصفوف الأمامية الطبية والمدنية والعسكرية.

وأستشهد هنا بأرقام موثقة لنساء البحرين خلال هذه الفترة الحرجة من العمل، حيث تشارك بنسبة تبلغ 75 في المائة ضمن أعمال الفريق الوطني لمكافحة فيروس (كوفيد - 19)، وتشارك بشكل تطوعي بنسبة 49 في المائة من إجمالي المتطوعين البالغ عددهم 30 ألف متطوعة ومتطوع، لدعم جهود الصفوف الأمامية، ناهيك عن توافر الدعم السياسي غير المسبوق بكل أشكاله المعنوية قبل المادية، ولربما السماح لأزواج العاملات على الصفوف الأمامية بالعمل من المنزل لمتابعة شؤون أسرهم بقرار حاسم من ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، هو رسالة حضارية لما يكنّه الرجل البحريني من دعم وتقدير وامتنان لنساء الوطن.

فهل في خضم هذه التحولات الجذرية على مشهدنا العالمي قبل الوطني، والذي قيل فيه ما قيل حول «عالم ما بعد كورونا»، ستنضم المرأة بقيادتها لنهضة أوطانها، ومهما اشتد أو تيسّر واقعها، إلى صفوف صنّاع المستقبل وحماة الحاضر وكتّاب التاريخ... وبقلم معاصر ومعايش لتلك التحولات للحفاظ على مكانتها الإنسانية والدفاع عنها، وتكون هي من تصوغ دورها في الفعل الحضاري لوطنها والارتقاء بشأنه ومكانته؟

- الأمين العام للمجلس الأعلى للمرأة في البحرين

أخبار الأمانة العامة للمجلس